سَأُعرِضُ عَمَّن راحَ عَنِّيَّ مُعرِضاًوَأُعلِنُ سُلواني لَهُ وَأَشيعُهُ
وَأَحجُزُ طَرفي عَنهُ وَهوَ رَسولُهُوَأَحجُبُ قَلبي عَنهُ وَهوَ شَفيعُهُ
وَكَيفَ تَرى عَيني لِمَن لا يَرى لَهاوَيَحفَظُ قَلبي في الهَوى مَن يُضيعُهُ
وَأَقسَمتُ لا تَجري دُموعي عَلى اِمرِئٍإِذا كانَ لا تَجري عَلَيَّ دُموعُهُ
فَلَو خانَ طَرفي ما حَوَتهُ جُفونُهُوَلَو خانَ قَلبي ما حَوَتهُ ضُلوعُهُ
تَكَلَّفتُ فيهِ شيمَةً غَيرَ شيمَتيفَساءَ صَنيعي حينَ ساءَ صَنيعُهُ
وَأَصبَحتُ لا صَبّاً كَثيراً وُلوعُهُوَأَمسَيتُ لا مُضنىً قَليلاً هُجوعُهُ
بِمَن يَثِقُ الإِنسانُ فيما يَنوبُهُلَعَمرُكَ مَطلوبٌ يَعِزُّ وُقوعُهُ
أَأَعظَمُ مِن قَلبي عَلَيَّ مَعَزَّةًوَإِنِّيَ في هَذا الهَوى لَصَريعُهُ
وَأَكرَمُ مِن عَيني عَلَيَّ وَإِنَّهالَتُظهِرُ سِرّي لِلعِدى وَتُذيعُهُ
تُكَلِّمُني بِالأَرمَنِيَّةِ جارَتيأَيا جارَتي ما الأَرمَنِيَّةُ مِن طَبعي
وَيا جارَتي لَم آتِ بَيتِكِ رَغبَةًوَلا أَنتَ مَن يُرجى لِضَرٍّ وَلا نَفعِ
دَعاني إِلَيكِ اللَيلُ وَالأَينُ وَالسُرىفَصادَفتُ أَمراً ضاقَ عَن بَعضِهِ وُسعي
كَلامُكِ وَالدولابُ وَالطَبلُ وَالرَحىفَلَم أَدرِ ما أَشكوهُ مِن ذَلِكَ الجَمعِ
كَلامُكِ فيهِ وَحدَهُ لي كِفايَةٌكَأَنَّ صُخوراً مِنهُ تُقذَفُ في سَمعي
لَكِ اللَهُ ما لاقَيتِ ياعَرَبِيَّتيوَماذا الَّذي عُوِّضتِ بِالبانِ وَالجِزعِ
سَأَدعو عَلى الجُردِ الجِيادِ لِأَنَّهاسَرَت فَأَتَت بي وادِياً غَيرَ ذي زَرعِ
رُوَيدَكَ قَد أَفنَيتَ يا بَينُ أَدمُعيوَحَسبُكَ قَد أَضنَيتَ يا شَوقُ أَضلُعي
إِلى كَم أُقاسي فُرقَةً بَعدَ فُرقَةٍوَحَتّى مَتى يا بَينُ أَنتَ مَعي مَعي
لَقَد ظَلَمَتني وَاِستَطالَت يَدُ النَوىوَقَد طَمِعَت في جانِبي كُلَّ مَطمَعِ
فَلا كانَ مَن قَد عَرَّفَ البَينَ مَوضِعيلَقَد كُنتُ مِنهُ في جَنابٍ مُمَنَّعِ
فَيا راحِلاً لَم أَدرِ كَيفَ رَحيلُهُلِما راعَني مِن خَطبِهِ المُتَسَرِّعِ
يُلاطِفُني بِالقَولِ عِندَ وَداعِهِلِيُذهِبَ عَنّي لَوعَتي وَتَفَجُّعي
وَلَمّا قَضى التَوديعُ فينا قَضاءَهُرَجَعتُ وَلَكِن لا تَسَل كَيفَ مَرجِعي
فَيا عَينِيَ العَبرى عَلَيَّ فَأَسكِبيوَيا كَبِدي الحَرّى عَليهِم تَقَطَّعي
جَزى اللَهُ ذاكَ الوَجهَ خَيرَ جَزائِهِوَحَيَّتهُ عَنّي الشَمسُ في كُلِّ مَطلَعِ
وَيارَبَّ جَدِّد كُلَّما هَبَّتِ الصَباسَلامي عَلى ذاكَ الحَبيبِ المُوَدَّعِ
قِفوا بَعدَنا تَلقَوا مَكانَ حَديثِنالَهُ أَرَجٌ كَالعَنبَرِ المُتَضَوِّعِ
فَيَعلَقَ في أَثوابِكُم مِن تُرابِهِشَذا المِسكِ مَهما يُغسَلِ الثَوبُ يَسطَعِ
أَأَحبابَنا لَم أَنسَكُم وَحَياتِكُموَما كانَ عِندي وُدُّكُم بِمُضَيَّعِ
عَتَبتُم فَلا وَاللَهِ ما خُنتُ عَهدَكُموَما كُنتُ في ذاكَ الوَدادِ بُمِدَّعي
وَقُلتُم عَلِمنا ما جَرى مِنكَ كُلَّهُفَلا تَظلِموني ما جَرى غَيرَ أَدمُعي
كَما قُلتُمُ يَهنيكَ نَومُكَ بَعدَناوَمِن أَينَ نَومٌ لِلكَئيبِ المُرَوَّعِ
إِذا كُنتُ يَقظاناً أَراكُم وَأَنتُمُمُقيمونَ في قَلبي وَطَرفي وَمِسمَعي
فَما لِيَ حَتّى أَطلُبَ النَومَ في الهَوىأَقولُ لَعَلَّ الطَيفَ يَطرُقُ مَضجَعي
مَلَأتُم فُؤادي في الهَوى فَهوَ مُترَعٌوَلا كانَ قَلبٌ في الهَوى غَيرَ مُترَعِ
وَلَم يَبقَ فيهِ مَوضِعٌ لِسِواكُمُوَمَن ذا الَّذي يَأوي إِلى غَيرِ مَوضِعِ
لَحى اللَهُ قَلبي هَكَذا هُوَ لَم يَزَليَحِنُّ وَيَصبو لا يَفيقُ وَلا يَعي
فَلا عاذِلي يَنفَكُّ عَنِّيَ إِصبَعاًوَقَد وَقَعَت في رَزَّةِ الحِبِّ إِصبَعي
لَئِن كانَ لِلعُشّاقِ قَلبٌ مُصَرَّعٌفَما كانَ فيهِم مَصرَعٌ مِثلُ مَصرَعي
وَقائِلَةٍ لَمّا أَرَدتُ وَداعَهاحَبيبي أَحَقّاً أَنتَ بِالبَينِ فاجِعي
فَيا رَبَّ لا يَصدُق حَديثٌ سَمِعتُهُلَقَد راعَ قَلبي ماجَرى في مَسامِعي
وَقامَت وَراءَ السَترِ تَبكي حَزينَةًوَقَد نَقَبَتهُ بَينَنا بِالأَصابِعِ
بَكَت فَأَرَتني لُؤلُؤاً مُتَناثِراًهَوى فَالتَقَتهُ في فُضولِ المَقانِعِ
فَلَمّا رَأَت أَنّ الفِراقَ حَقيقَةٌوَأَنّي عَلَيهِ مُكرَهٌ غَيرُ طائِعِ
تَبَدَّت فَلا وَاللَهِ ما الشَمسُ مِثلَهاإِذا أَشرَقَت أَنوارُها في المَطالِعِ
تُسَلِّمُ بِاليُمنى عَلَيَّ إِشارَةًوَتَمسَحُ بِاليُسرى مَجاري المَدامِعِ
وَما بَرِحَت تَبكي وَأَبكي صَبابَةًإِلى أَن تَرَكنا الأَرضَ ذاتَ نَقائِعِ
سَتُصبِحُ تِلكَ الأَرضُ مِن عَبَراتِناكَثيرَةَ خِصبٍ رائِقِ النَبتِ رائِعِ
أَأَحبابَنا بِالرَغمِ مِنّي فِراقُكُموَيا طولَ شَوقي نَحوَكُم وَوَلوعي
أَطَعتُ الهَوى بِالكُرهِ مِنِّيَ لا الرِضاوَلو خَيَّروني كُنتُ غَيرَ مُطيعِ
حَفِظتُ لَكُم ماتَعهَدونَ مِنَ الهَوىوَلَستُ لِسِرٍّ بَينَنا بُمُضيعِ
فَإِن كُنتُمُ بَعدي سَلَوتُم فَإِنَّنيسَلَوتُ وَلَكِن راحَتي وَهُجوعي
سَلوا النَجمَ يُخبِركُم بِحالِيَ في الدُجىوَلا تَسأَلوا عَمّا تَجِنُّ ضُلوعي
قِفوا تَسمَعوا مِن جانِبِ الغَورِ أَنَّنيفَقَد أَسمَعَت مَن كانَ غَيرَ سَميعِ
وَإِن لاحَ بَرقٌ فَهوَ نارُ صَبابَتيوَإِن راحَ سَيلٌ فَهوَ ماءُ دُموعي
وَذا العامَ قالوا أَمرَعَ الغَورُ كُلُّهُوَما كانَ لَولا دَمعَتي بِمَريعِ
فَيا قَمَري مُذ غِبتَ أَوحَشتَ ناظِريلَعَلَّكَ لَيلاً مُؤنِسي بِطُلوعِ
وَما أَنا في العُشّاقِ أَوَّلَ هالِكٍوَأَوَّلَ صَبٍّ بِالفِراقِ صَريعِ
وَإِن كَتَبَ اللَهُ السَلامَةَ أَنَّنيإِلَيكُم وَإِن طالَ الزَمانُ رُجوعي
حَبيبي عَلى الدُنيا إِذا غِبتَ وَحشَةٌفَيا قَمَراً قُل لي مَتى أَنتَ طالِعُ
لَقَد فَنِيَت روحي عَلَيكَ صَبابَةًفَما أَنتَ يا روحي العَزيزَةَ صانِعُ
سُرورِيَ أَن تَبقى بِخَيرٍ وَنِعمَةٍوَإِنّي مِنَ الدُنيا بِذَلِكَ قانِعُ
فَما الحُبُّ إِن ضاعَفتُهُ لَكَ باطِلٌوَلا الدَمعُ إِن أَفنَيتُهُ فيكَ ضائِعُ
وَغَيرُكَ إِن وافى فَما أَنا ناظِرٌإِلَيهِ وَإِن نادى فَما أَنَ سامِعُ
كَأَنِّيَ موسى حينَ أَلقَتهُ أُمُّهُوَقَد حَرِمَت قِدماً عَلَيهِ المَراضِعُ
أَظُنُّ حَبيبي حالَ عَمّا عَهِدتُهُوَإِلّا فَما عُذرٌ عَنِ الوَصلِ مانِعُ
فَقَد راحَ غَضباناً وَلي ما رَأَيتُهُثَلاثَةُ أَيّامٍ وَذا اليَومُ رابِعُ
أَرى قَصدَهُ أَن يَقطَعَ الوَصلَ بَينَناوَقَد سَلَّ سَيفَ اللَحظِ وَالسَيفُ قاطِعُ
وَإِنّي عَلى هَذا الجَفاءِ لَصابِرٌلَعَلَّ حَبيبي بِالرِضى لِيَ راجِعُ
فَإِن تَتَفَضَّل يا رَسولي فَقُل لَهُمُحِبُّكَ في ضيقٍ وَعَفوُكَ واسِعُ
فَوَاللَهِ ما اِبتَلَّت لِقَلبِيَ غُلَّةٌوَلا نَشِفَت مِنّي عَليهِ المَدامِعُ
تَذَلَّلتُ حَتّى رَقَّ لي قَلبُ حاسِديوَعادَ عَذولي في الهَوى وَهوَ شافِعُ
فَلا تُنكِروا مِنّي خُضوعاً عَهِدتُمُفَما أَنا في شَيءٍ سِوى الحُبِّ خاضِعُ