تُخلًّي الطبيعةُ أشياءَها:
فلا يستضيف الورقُ الحبرَ
ويستعصي الحجرُ على سِنِّ الأزميل
كذا الأخشابُ..
ويصد الجلدُ شروط الدبغ
وماءَ الأصباغ ..
وينتهزُ لحاءُ الأشجار الوقتَ ويهجر حكمته،
الطين يغادر طينته :
يختصم التشكيل،
ويصحو الحاسب مندهشا
من هول فراغ الذاكرة
تتراخى الأسلاكُ فلا تحملُ نبضاً أو ومضا:
تتجمد موجات البرق،
تتعفن حزمات الضوء
وتنتحر الألياف...
تتهاوي أقمارٌ تتكشف صنعتها..
ويضن الموج بحمل القنينة
وتضن القنينة أن تقطع رحلتها سابحة،
وتنوء حماماتُ المدِّ
بضرب شراع الريح
إلى موئلها..
فتحلِّق عبر دوائر ضيقة..
تتسع ولا تنفتحُ..
وتُساق الخيلُ لغير الفتح..
ويضن رفيقيَّ في غربتي عليَّ
بحمل رسائل من منفاي إليكِ.
ورُغم طلاق الطبيعة أشياءها
في الشرفة،
أجلس وحديَّ
حيث اعتدتُ
أمعن –فينا- تفكيري
فأرى أنكِ حاضرةٌ
بكل بهاء الطبيعة فيكِ
أنا وأنتِ ..طبيعةٌ
لا تتخلى عن أشيائها
نوافذ الشتاء عيونُ مغمضة، تقول
خمسينيةٌ في ثياب طفلة:
(عَلِّقوا جرسَ الغيابِ، ومُرّوا قليلاً)
في انتظار فبراير تشهق قطةٌ في زاوية المشهد،
الغناءُ رجعُ البكاء، في الركنِ هناك
تغفو الأريكةُ على نفسها، هذا ليس مفتتحُ
إنه انهمارُ الثلجِ وبدءُ الركام،
يتراجع العشبُ، ويتجلّى الختام.
تجهدُ لتجلو صوتَها في الصباح،
وتلقي التحية على النافذة:
(صباحُ المرارة)،
شهيق، تملأ رئتيها بالهواء الداخل
زفير، تحلمُ أن يتاحَ لها الخروج بصحبته.
النافذة جرح الجدار
الستائرُ ضمادةٌ.
ضوءٌ ضعيف يدخل عبر القماش:
هل يخرج الآن ويفضحني؟ فكرة:
(أصطاد الضوء). تدرس كافة الطرق الممكنة.
لقطة: خمسينية تنصب الفخاخَ للضوء ، وقتَ الظهيرة.
صدقيني، ثمة شجرة تعرف أصل الحكاية، أضيئي ينبئك الورق.
يعتلى صهوة الفرس المعلق خلف ظهره كأيقونة،
لا تجاوبه الطواحين هذا المساء،
يشرب من غبار المدى قدر طاقته،
يُسرج فراشتين، ويطلق وردة في روح البياض
حمراءَ كجمرته الصغيرة،
يلعق تويج بهائها، الدم شيطان يضرب الرأسَ،
تبكي زرقةً، تفر سماواتٌ من كفه،
يستريح الغيم.أرى لمعةَ النصل ولا أراكَ، متى؟
حناءٌ للروح، نقوش منمنمة كخارطة لعين غريب،
شجرة توت تستثمر وقتها في الغناء،
وتد يختصر المسافة للقلب،
متى يطلق الظلُّ ساقيه للسعير،
ويمنحني حذاءه فأزور الوطن خفية؟
برقيةٌ من ضفدع يسكن آخر المعمورة،
كأنما من قاع بئر يصعد:
متى يحين موعدُ القفزة القادمة؟
نزرع جميزة في صحن من الحلم،
بالماء نرش سور الحديقة،
ونطلي العشب بالأخضر المقدس. ونُحرق الانتظار.
الحمالون الأتقياء، وحدهم، يعرفون معنى انحناءة
الفتيل في إضاءته الأخيرة.
ينهر ثدياً يتربص به، يَعلقُ في فخاخ التوت،
البنفسج يرسل إشارات للنهر،
للنداوة طبع العسل ومنطق التحسس:
ما تقوله الحناء للبشرة في ليل قائظ،
ما يشف به الحرير في لحظة اللمس،
ما تخفيه اليدُ في انحناءة،
ما يكتنزُ الماءُ لحظةَ الدفق.الوطن
نرجسة لا يصيبنا منها سوى الرائحة.
رتّبَ العازفين؛ سأضبط قنبلة على خمس،
أنضد شعر البنت في واحدة،
أطبع نجمة على جبين، في واحدة
أشبك أول النهر بآخر الغرة،
والثلاث الباقيات أجرب رقصتي الأخيرة.
على اثنتين يتوكأ ، مثيراً كنسغ، شهيا كقبلة
انسلَّ من ضوء كعتمة، كانت تينة تفسر أعضاءها للوقت
والهواء يلكز عشبة بالأكسوجين.
لماذا تُطلّ وجوه الأحبة من شبابيكها وقت الغروب؟
أهلُ المدائن في الحقيقة نازحون ..
وأنا المُعادُ بن المعادِ من البشر ..
تغتالني كل اللغات /
تردني لغتي إلي
أنا المسافر في براح من غناء .. فاسمعوني ..
علَّني .. من فرط ما قد مسَّني
أرنو إليكم باسماً
وأعيذكم أن تَتْبعوني
فأعيد أغنية النزوحِ عليكمُ ..
ما عُدْتُ أعرفُ – حين أصنع خطوتين بسكةٍ –
أيَّ البلادِ تضمُّني:
كل البلادِ تَجَرَّدتْ
والنهرُ سَرَّبَ لافتاتٍ رافضاتٍ في وريديَّ
والجنودُ مُدَجَّجونّ كأنَّهم طَيْرٌ
أبابيلٌ سترميني بحصباءَ ..
مِنَ النارِ
ومدينتي
حَجَرٌ بلا حَذَرٍ يقاسمني مفاتنَها.
لا بيتَ أسكنُ غيرَ بيتٍ من قصيدٍ
ليسَ يملكُ أن يُعيدَ مسافراً
نَزَحتْ هُمومُ السَالِفينَ لعندهِ
وتتابعتْ جُوَقُ الطيورِ الحائماتِ
تَبثُّه خيطَ الخطيئةِ سَافراً
رشقوا الجنودَ مُدَجَّجينَ على حَوَافّ بلادِهِمْ
والنازحونَ سيجلبونَ التمرَ
كيما يزرعونَ فَسَائِلَ..
ويُروّجُونَ البُّرَ
والعسلَ المصفّى/
يُنشِئونَ عَواصمَ...
ويُزوّجونَ الخبزَ للَّبنِ الحلالِ/
يُؤقلمونَ مدائنَ..
أنا نازحٌ
قَضَّتْ مضَاجعَهُ الجنودُ
ويممَّت منه القصائدُ وجهها شطر الهمومِ
توزَّعَته قواعدُ اللغةِ الحرونِ
أعطته سرَّ غيابه أثداؤها
بَثَّتْ لِفيهِ مرارةً بين الذين اعوجَّ طرفُ لسانهم ..
أنا نازحٌ
يجتاحنى قلقٌ هَصورْ
والنازحونَ :
هُمُ الذين يُمرِّرونَ غيابَهُم
جَمْراً
على سَفَرٍ
كأنَّ الريحَ تَسْكُنُهُ
(يا نازحينَ)
إنِّي انطلقتُ
خرجتُ من رَحِمِ النُبوءةِ مارقاً /
واحتلتُ حتى أطلقتني القابلةْ
أسرجتُ خيلَ خياليَّ المهتاجِ
إني
أنا المُهَلْهَل:
أوثقوا نظراتكم في ظلَّ ظليَّ واتبعوني
لستُ أعبأ بالجنودِ
فثبِّتوا أثرَ النعال على الرمالِ
وخلَّفوا وقعَ الحوافرِ والنبالِ ...
تحلَّقوا حولي ..
فأُنشدكم قصيدي.
هُم الصِحابُ يفاجئونكَ بالكلامِ
عن المواسمِ والحصادِ..
يُباغتونكَ باللغات المُشتهاةِ..
العاشقونَ/ العاشقونْ...
ليسَ يدخُلُ بدرُهُم طَورَ المحاقِ..
من ذا يُضمِّخُكَ ابتداءً
بالهوى فرداً ؛
لتُمعِنَ دورةً في دورةٍ ؛
حتى انتهاءك عاشقاً ..
من ذَا !!
النبيونَ الذين تَبِعْتَهُمْ...
قَلَبوا حياتَكَ ثم غَطَّوا في الصلاةِ..
وما استقمَتَ !!
كلُّ الرفاقِ تَشرَّبوك وخلَّفوا فيك المرارةَ ..
" لا صحبَ في الصحبِ الذين...."
والبنتُ: تلك المصطفاةُ كوردةٍ
قد سرَّبتْ أعضاءها في يمِّ قلبكَ..
أربكتكَ..
وأورثتكَ الاشتهاء..
فهل تقولُ بأّنَّ خَيْلَ الّمَدِّ رُدَّتْ /
فَاسْتَرِحْ / مُتْ
رائعاً/
أو ضارباً عُمْقَ المراوغةِ العقيمةِ
والغبيةِ كالعفنْ ..؟
هل تقولُ: النيلُ أَلقتْ بيضَها العنقاءُ فيه ..
فليس يصلح للسباحة ..
ليس يصلحُ
لاغتسالك من جناباتْ الزمنْ ..
ليس يصلح
غير أن (يُتَخَيَّل) ..
عندَ الكلام عن الوطنْ ..
والانتماء المُرْتَبك !!
هم الصحابُ يُدَغْدِغونَ الأُمسياتِ
بذكرهمْ طيفَ الحبيبةِ
يرسمونك بُؤبُؤاً في عينها
أو يصطفونكَ للهوى والعشق ..
فرداً/ سامقاً
ويُخَايِلونَ عنْ الوطنْ ..
حِنَّاءَهُ قد يَمْنَحُونَكَ بغتةً..
كي تستقيمَ مُردداً:
لا زلت أرجو غَيمَةً لا تُستباحُ ولا تُحَدّْ
تُصغى لأصغرِ نَبْضَةٍ لا تستقيمُ لدى أحدْ
وطناً تكونُ فأنتمي ..
وطناً تكونُ ..
لأستجيرَ من البددْ
بل قُلْ لهم:
منذ التقتْ روحَاكُمَا ..
هيّ الحبيبةُ لم تقلْ شيئاً يُفيدُ !!
وقُلْ لهم:
إن الشموسَ تدحرجتْ ..
وتعطلَّتْ خيلُ المسافرِ
والمَدى .. صارَ انتماءً للغيومِ
تداخلت سِككُ الوصولِ بِكَفِّ روحكَ – مُرْغَماً
قد أرهقتكَ كؤوسهم
فاشربْ وذُبْ
أو ذُبْ وغنِّى هاوياً طَرِباً ..
وذُبْ
وإِذْ تَبَدَّى سُكْرُهم أَعْلِنْ عليهم /
قُل لهم:
لا شيء عندي ممكنٌ
حتى الحبيبةَ .. والوطنْ.
لمَّا وجدتُ .. وهِمتُ ..
تَفرّقتُ عبرَ أقاليمِ بَوْحٍ ..
وَجُدْتُ بِرُوحٍ ..
ورُحتُ ..
وجدتُ مَهَاةً تجولُ بأنحاءِ دَوْحٍ..
و ما كنتُ وحدي -
صعدتُ
قالتْ: يا أنتم .. عُصفورٌ قلبيَّ ..
إِنْ عَشَّشَ – أُشْرِقْ؛
فلتأتوا سعياً – أفواجاً وفُرادَى -
هرولةً ..
ويُسرِّبُ كلٌ منكم أسباباً؛
كيما أدرككم في مَوْقِفِ شَوْفي ..
ويُنضِّد لي عُشّا ..
قلتُ : أجيئك
أسكب رأسي في دار قلائدها الورقاء وأسكب فيها خمري
واجتزتُ فضائيْ الرَحبَ
صعدتُ أُغنِّي :
أَمحبوبةَ القلبِ منْ بي
للأُفْقِ باحَ .. وللمَدى عني
فلاحَا لعينيَّ /
حُلواً / حريقاً!!
وقلتُ : أجيئُكِ – آنستً ناراً –
لعلِّي .. أُكفِّرُ في مُقلتيكِ احتمالات غيّ
وكنت انفلتُّ
أجرُّ الشوارعَ جَرَّاً إليكِ
أُغنِّي:
فهل كنتُ مهرَ .. المسافات أَمْ
في فَوْرَةِ العشقِ .. والشوق كَمْ
قد فرَّ مُهرُ المسافاتِ منِّي !!
تناءتْ قليلاً
وأَرْخَتْ عباءةَ الوقتِ -
علي سِدرة النُورِ
قالتْ: يا أنتم .. مولودٌ قلبيَّ
إِنْ يَكْبِرُ؛ أُشْرِقْ ..
هاتوا لي بَدْرَاً ..
أنقشُ سِرِّي فيهِ ..
هاتفةً: تَعِبَتْ
وتهاوتْ أوراقي في سِكَكِ البَوْحِ ..
وقالتْ: لمَّا كنتُ تهيّأتُ
أُلملمُ أطرافَ عباءةِ سرِّي
جِئْتُمْ !!
فأرتِّبُكُم كالصفِّ الواحد ...
أتلو ما يتيسر من أخباري فيكم.
هيَّ لا تَفنَي
هيَّ لنْ تَفنَي ...
قلتُ:
أُرتَّبُ في الصفِّ علي حَسْبِ الوَجْدِ ؛
قد جئتكِ أسعى
لملمتُ مواجيد القلبِ ..
ورُحتُ أُغنِّي :
وهل كنتُ في أوّلِ الصفِّ أَمْ
قد كان بالصفِّ من
قد زَادَ في الشوقِ عنِّي !! "
تجارتْ ليُنبوعِ ماءٍ .. وأرخَتْ عباءةَ الوقتِ
على سِدرة الماء قالت:
يا أنتم .. مصفودٌ قلبيَّ
إن أزهرَ .. أُشْرِقُ ..
هاتوا لي ..
قروياً يعشقْ ..
أتملَّى فيه صَبَابَتَهُ
عُنقوداً
يتراقصُ تحتَ ضياءِ القمرِ
أرقصُ معه .. كي أرقَى
وأرقَّ، أشُفَّ
أبدو قِنديلاً سهَّدهُ الأرقُ
وقالت
وقد أوقفتني في موقف الأنس منها:
لمَّا سيأتي
أتجلّي
يرقص في حَضْرَتي
وأرْقُصُ في حَضرتِهِ
أسَّاقط مِنْديلاً بَلَّلَهْ العَرَقُ
أتشقَّقُ
أنشقُّ وأرتدُّ إليهِ
يُنْبِتُ في سِدْرَتِيَّ
وأُنْبِتُ في سِدْرَتِهِ
أتوحَّدُ فيهِ ...
أتقطَّرُ عطراً
يجمعكم من فلوات الأرضِ
يا أنتمْ
" يُنقذكم مما عَنِتُمْ "
فهل عندَ تساقطِ قَطْرِ ندايا تلكأتم !
غوصوا في الظلمة ...
حتى أرفع منديلَ الليل قليلاً ...
حباتٍ .. حباتْ